محمد متولي الشعراوي

10398

تفسير الشعراوي

هذه قاعدة عامة تُقال في عمل الدنيا ، وتُقال في عمل الآخرة ، فالحق تبارك وتعالى خلق الإنسان ويحب منه ألاَّ تظلم ملكَة في النفس ملكةً أخرى ، وألا تظلم ملكة العجلة ملكة التأنِّي ؛ لأن ملكة العجلة تأخذ خيراً عاجلاً منتهياً ، أما ملكة التأني فتنال الخير الآجل الباقي غير المنتهي . إذن : فالله تعالى يريد لصنعته ، سواء المؤمن أو الكافر ألاّ يظلم نفسه ؛ لأن الله كرَّمه وخلق الكون كله لخدمته وسخَّره من أجله ؛ لذلك يقول له : إنك لا تستطيع أن تظلمني ولا تظلم المؤمنين ، إنما تظلم نفسك ، فربٌّ يعاقب الإنسان على أنه ظلم نفسه فهو نِعْم الربّ . لذلك جاء في الحديث القدسي : « يا ابن آدم ، أنا لك مُحبٌّ بدليل أنني أعاقبك إذا ظلمتَ نفسك فبحقِّي عليك كُنْ لي مُحِباً » . وحين يُضخِّم الحق سبحانه وتعالى العقوبة : { وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً } [ الفرقان : 19 ] إنما ليُنفِّر عباده منها ، ويبتعد بهم عن أسبابها ، فلا تقع . وكثيراً ما يعترض أعداء الإسلام على قوله تعالى : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين } [ البقرة : 256 ] يقولون : فلماذا تقتلون مَنْ يرتدّ عن الإسلام ؟ وهؤلاء لا يَدْرُون أن هذا الحكم نضعه عقبةً في طريق كل مَنْ يريد الإيمان ، وتنبيه له حتى يفكر جيداً فيما هو مُقبل عليه إن اختار الإسلام ، فلا يدخله إلا بعد رضاً واقتناع تام ، وحين يعلم هذا الحكم يحتاطُ للأمر فيدخل عليه بمَحْضِ اختياره وتعقّله . فالإسلام لا يريد كثرة مُتسرِّعة ، إنما يريد تروياً وتعقّلاً وتدبراً ،